تسعى تركيا إلى تحقيق أهداف استراتيجية واسعة النطاق في سوريا، يأتي في مقدمتها القضاء على قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وترسيخ هيمنتها العسكرية والإقليمية في مناطق الشمال السوري، وهو ما تعتبره أنقرة ضرورة لحماية أمنها القومي، بحسب محللين تحدثوا لـ"إرم نيوز".
وتمضي تركيا في تعزيز وجودها العسكري من خلال إنشاء قواعد متقدمة مثل قاعدة التيفور، وبناء تحالفات أمنية متزايدة مع دمشق، وهو ما دفع مراقبين إلى التحذير من تصاعد التوتر مع إسرائيل، التي تنظر إلى هذه التحركات بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمنها.
وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن الصراع في سوريا يتجاوز الأبعاد
العسكرية إلى صراع اقتصادي وجيوسياسي أشمل، حيث تسعى أنقرة إلى فرض سيطرتها على الحدود البحرية في البحر المتوسط، في خطوة تتقاطع مع المصالح
الإسرائيلية في المنطقة، وتفتح الباب أمام تصعيد محتمل على أكثر من جبهة.
ويشير الخبراء إلى أن هذه التحركات التركية تمثل تحولًا في معادلة النفوذ الإقليمي، حيث تتزايد المخاوف
الإسرائيلية من توسع تركيا في المنطقة، ما يهدد استقرار الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
وأشار الخبراء إلى أن إنشاء تركيا لهذه القواعد العسكرية، وتحديداً في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية يتصادم مع المصالح الأمنية الإسرائيلية، وتستند هذه المخاوف إلى التطورات العسكرية الأخيرة، فقد ردت القوات الجوية الإسرائيلية على هذه التحركات عبر ضربات جوية استهدفت مواقع عديدة في سوريا.
ولا يقتصر الصراع في سوريا على التحركات العسكرية فحسب، بل يشمل أيضاً صراعاً حول السيطرة على الثروات والموارد، خاصة فيما يتعلق بمشاريع ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، هذا التوتر يشير إلى صراع متعدد الأطراف بين تركيا، إسرائيل، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب استراتيجية على حساب الآخر.
أهداف استراتيجية
وقال الكاتب والباحث السياسي محمد هويدي إن أهداف تركيا الاستراتيجية كبيرة في سوريا، تتمثل أولها في تطويق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والقضاء عليها، باعتبارها تهديدًا لأمنها القومي.
وأضاف هويدي لـ"إرم نيوز" أن الهدف الثاني يتمثل في التعاون بين وزارتي الدفاع التركية والسورية لإبرام
اتفاقية دفاع مشترك. وكشفت تقارير صحفية عن نية أنقرة إنشاء ثلاث قواعد عسكرية في سوريا، لا سيما في مطار التيفور، نظرًا لأهميته الاستراتيجية، حيث يمنح السيطرة عليه القدرة على التحكم في المجال الجوي السوري.
وأكد أن هذا التطور يعد "خطًا أحمر" لإسرائيل، إذ يعيق تحركاتها الجوية
بحرية ويشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وأشار هويدي إلى أن السيطرة على مطار التيفور تحد من قدرة إسرائيل على تنفيذ ضربات جوية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما دفع تل أبيب إلى الإعلان صراحة عن رفضها القاطع لإنشاء قواعد عسكرية تركية في سوريا، معتبرة أن ذلك يشكل تهديداً استراتيجياً خطيراً عليها، وأن الضربات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على سوريا جاءت كرسالة مباشرة إلى تركيا، ردًا على دخول قواتها وتعزيز وجودها العسكري في المنطقة.
وأضاف أن هذه الخطوة الإسرائيلية تعكس موقفاً حاسماً، فقد صرح رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن "إسرائيل لن تسمح بأي تهديد لأمنها القومي"، في إشارة واضحة إلى استعداد تل أبيب لاتخاذ خطوات تصعيدية في حال استمر التمدد التركي في سوريا.
وبيّن هويدي أن الهدف الثالث لتركيا هو ترسيم الحدود البحرية، وهو أمر تواجهه معارضة شديدة من إسرائيل واليونان وقبرص، بالإضافة إلى الفيتو الأمريكي، مؤكداً أن القوى الفاعلة في المنطقة لن تسمح لأنقرة بفرض سيطرتها على سوريا ومواردها وثرواتها، أو تحقيق مكاسب استراتيجية على حساب اللاعبين الدوليين الآخرين، خاصة فيما يتعلق بوصولها إلى شرق المتوسط وإعادة تقسيم الحدود البحرية بما يخدم مصالحها.
وأضاف أن تركيا، وفق مشروعها لترسيم الحدود، لا تعترف باتفاقية البحار لعام 1982، وتسعى لإعادة رسم الحدود وفقاً لرؤيتها الخاصة، ما يزيد من حدة التوتر والصراع الجيوسياسي بينها وبين إسرائيل، مشيراً إلى أن تركيا تخطط لتدريب الجيش السوري وإعادة تأهيله، ما يعني أنها ستكون لاعباً رئيسياً على الحدود الشمالية لإسرائيل، وهو تحول استراتيجي يثير قلق تل أبيب بشكل كبير.
ولفت إلى أن الصراع في سوريا يتجه نحو معادلة جديدة، خرجت منها إيران لتحل محلها تركيا، ما يفسر تصاعد التهديدات الإسرائيلية الموجهة للإدارة
السورية الجديدة، كما أن هذه التهديدات تشبه إلى حد كبير التصعيد الذي واجهه بشار الأسد سابقاً، عندما حذر رئيس الوزراء
الإسرائيلي بينامين نتنياهو قائلاً: "إن الأسد يلعب بالنار". (ارم)