شكّل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سلسلة من الرسوم الجمركية الجديدة تستهدف 180 دولة ومنطقة حول العالم، تحولًا جذريًا في السياسة الاقتصادية الأميركية قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وتجارية عالمية كبيرة، وإن كان ترامب يصف ما يقوم به في سياق إجراءات حماية الاقتصاد الأميركي ومحاسبة الدول التي تعامل
الولايات المتحدة بشكل غير منصف.
استخدم ترامب الرسوم الجمركية كأداة تفاوضية للضغط على الدول من أجل تحقيق اتفاقات تجارية أكثر فائدة للولايات المتحدة، كما حدث مع الصين في الحرب التجارية الشهيرة بين
البلدين. والمفارقة أنه كان يتم التركيز على الدول ذات الفوائض التجارية
الكبيرة مع
الولايات المتحدة، مثل الصين وألمانيا واليابان، وليس جميع دول العالم تقريبًا، في حين شملت الرسوم الجمركية الجديدة التي أعلنها الرئيس ترامب والتي دخلت حيز التنفيذ الاربعاء، ليس فقط القوى الاقتصادية الكبرى، بل أيضًا جزرًا نائية ومناطق غير مأهولة بالسكان، ما أثار استغراب المراقبين.
ومن المفارقات أن بعض المناطق المستهدفة ذات أهمية استراتيجية لواشنطن، مثل إقليم المحيط الهندي البريطاني الذي لا يسكنه سوى حوالي 3000 عسكري ومتعاقد بريطاني وأميركي في قاعدة دييغو غارسيا الجوية وجزر مارشال التي تشكل موطن لـ 82 ألف شخص ومنشأة عسكرية اميركية رئيسية، وهي موطن قاعدة الجيش
الاميركي كواجالين، التي تساعد في اختبار الصواريخ الباليستية وتتبعها. وأشارت
وكالة "بلومبرغ" إلى أنّ الرسوم الجمركية الجديدة "ستؤثر بشكل خاص على بعض أفقر دول العالم، ممّا يزيد من التحديات الاقتصادية لهذه الدول".
تهدف هذه الخطوة إلى تقليل الاعتماد على المنتجات الأجنبية وتعزيز الاقتصاد المحلي، فمؤيدو سياسات ترامب يرون أنها وسيلة ضرورية لمواجهة العجز التجاري الأميركي وحماية الوظائف المحلية. ويستند المدافعون إلى تجارب سابقة، ففي ثمانينيات القرن الماضي، اتهمت اليابان بإغراق الولايات المتحدة بالبضائع الرخيصة الثمن فقرر الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان التدخل ورفع قيمة الرسوم الجمركية على الدراجات النارية اليابانية من طراز هارلي ديفدسون عشرة أضعاف، لتبلغ 45% في محاولة لحماية الشركة الأميركية الأصل. وبعدها ببضع سنوات، في 1987، قرر ريغن فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على أجهزة التلفزيون والحاسوب اليابانية الصنع بعد أن حدد حصص استيراد على السيارات والفولاذ من اليابان.
وفيما تشكل النزعات الحمائية عودة إلى أساس الحزب
الجمهوري نفسه، يرى أستاذ الاقتصاد والخبير المالي بلال علامة أن الرسوم المفروضة من قبل الرئيس ترامب وإن كانت معللة بمبدأ المعاملة بالمثل لكنها من المؤكد تخالف كل المسارات التي سلكتها التجارة العالمية والتي تم تعزيزها عملاً بتوصيات منظمة التجارة العالمية التي لطالما أوصت بتخفيض الرسوم الجمركية واعتماد مبدأ منع التمييز والإضطهاد بحق دول العالم وإقتصاديات الدول النامية.
وكما بات معروفاً تشمل الإجراءات المعلنة فرض رسوم بنسبة 20% على معظم الواردات إلى الولايات المتحدة، مع التركيز على الدول التي تفرض رسومًا على المنتجات الأميركية، ومن المتوقع أن تؤثر هذه الرسوم على مجموعة واسعة من المنتجات، بما في ذلك السيارات، الميكروشيبس، والأدوية المستوردة.
أما الأهداف المعلنة من هذه الرسوم فتهدف من وجهة النظر الاميركية إلى:
تقليل العجز التجاري من خلال فرض رسوم متبادلة على الدول التي تفرض رسومًا على المنتجات الأميركية، حيث تسعى الإدارة إلى تحقيق توازن في الميزان التجاري. تعزيز الصناعات المحلية من خلال جعل المنتجات المستوردة أقل تنافسية، تأمل الإدارة في دعم الشركات والمصانع المحلية.
أحدثت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، والتي شملت حتى حلفاء الولايات المتحدة، صدمة في الأسواق العالمية يوم أمس الخميس، وفقًا للخبير بلال علامة، فالتعاملات اتسمت بالاحتماء بالملاذات الآمنة من الأصول والعزوف عن المخاطرة. ونتيجة لذلك ارتفع الذهب كمعدن مضمون وآمن وانخفضت أسعار باقي السلع الأساسية الإستراتيجية مثل النفط والمعادن الثمينة. كما تراجع الدولار على نطاق واسع في تعاملات اليوم الاول بعد سريان مفعول القرارات الترامبية بينما صعد اليورو بمعدل نقطتين، واندفع المستثمرون إلى الملاذات الآمنة على غرار الين الياباني والفرنك السويسري.
وفي مسلسل الرد من قبل الدول المعنية وتحديداً مسؤولي الدول الأوروبية بدا واضحاً، بحسب علامة، أن أوروبا تتحضر للرد على قرارات ترامب وإعلان المواجهة المفتوحة في الولايات المتحدة الاميركية مما سيجعل الإقتصاد الأميركي في حالة حصار لا سيما وأن الرد الأكبر سيكون من قبل الصين بعدما تعهّدت بكين باتخاذ تدابير مضادة ردًا على ذلك وحذرت من أن الرسوم الأميركية الجديدة ستشلّ سلاسل التوريد العالمية وستضر بمصالح واشنطن بشكل كبير.
وكان لافتاً رد وزير الاقتصاد الألماني بالإنابة، روبرت هابيك معتبراً أن الرئيس ترامب "سينهار تحت الضغط" وسيُغير سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية إذا ما تضافرت جهود أوروبا. وقال هابيك: "يجب الآن أن تُكشف هذه الضغوط، من ألمانيا، ومن أوروبا بالتحالف مع دول أخرى، وعندها سنرى من الأقوى في هذا الصراع".
وعليه، ماذا سيحدث إذا بدأت هذه الحرب التجارية؟ وهل هناك احتمال أن تتراجع الولايات المتحدة عن هذه الرسوم تحت ضغط داخلي وتحديدا تحت ضغط الشركات الأميركية والمستهلكين الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين لدفع أسعار
أعلى على العديد من المنتجات المستوردة؟ وعلى المستوى الخارجي، هل تحالف الصين وأوروبا ضد هذه الإجراءات قد يؤدي إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، مما قد يضعف النفوذ التجاري الأميركي؟
أراد الرئيس الأميركي، بحسب علامة، إثبات مقولة أميركا العظمى من خلال قرارته المتعلقة بفرض رسوم جمركية تعتبر كبيرة جداً ومن خلال التغيير الذي يتمناه على سلاسل التجارة العالمية وتوزيعها ولكن يبدو أن قراراته المتعددة الإتجاهات، قد تفتح حرباً عالمية تجارية تكون الولايات المتحدة الأميركية منفردةً في وجه تحالف عالمي أو ربما تتقاطع مصالح عالمية لإثبات أن أميركا عظيمة مع باقي دول العالم ولكنها ليست دولة عظمى بمواجهة دول العالم كلها.