على الأرض المشهد اختلف تمام، فالثمن الكبير والكبير جدًا الذي دفعه حزب الله في الجولة الطاحنة من الحرب ليس بوارد أن يدفعه بشكل مضاعف في الجولة جديدة في حال بدأت، لأنّ هذه المرة، سيعطي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر لإسرائيل، وعندها لن يفوّت نتنياهو الفرصة التي انتظرها ألا وهي القضاء الكامل على سلاح حزب الله، وسط محاصرة سياسية قاسية يواجها الحزب، علمًا أنّ الردّ على الحزب سيستتبعه هجومًا كاسحًا على النووي الإيراني، خاصة بعد تأكيد مسؤولين إسرائيليين أن حكومة نتنياهو جاهزة للقضاء على النووي الإيراني عسكريا فيما لو حصلت على كلمة السرّ الأميركية.
من ناحية ثانية، ورغم أنّ الحزب يواجه انقسامات حادة داخله على صعيد من يريد أن يستكمل جولة الحرب ومن لا، يبقى التعويل من قبل الحلقة الضيقة داخل الحزب على ذكاء نعيم قاسم، والذي يتمثل حسب المراقبين بأخذ الحزب إلى برّ الامان، على الرغم من الفواتير التي لا يزال يدفعها إلى حدّ اليوم، والمتمثلة باستهداف قياديين كان لهم الدور البارز خلال الحرب الاخيرة، وإنّ لم يخرجوا إلى العلن، هذا عدا عن استلام قاسم مهمة الضغط على الدولة لأجل إجبارها على تعويض المدنيين من خلال جذب الاموال الأجنبية لإعادة الإعمار، بعد أن تقطعت السبل بحزب الله بالإتيان بما يلزم من أموال إيرانية. من هنا، يرى مراقبون أن أنظار دول الخليج تتجه نحو
لبنان، مشروطة بإصلاحات اقتصادية ومصرفية جذرية، إلى جانب مطلب قديم-جديد يتمثل في نزع سلاح حزب الله قبل أي استثمارات كبرى. غير أن الواقع السياسي المعقد في بيروت يصعّب تحقيق هذه الشروط، خاصة في ظل مقاومة واضحة لأي
تغيير جوهري، واستحالة تصور تفكيك ترسانة الحزب رغم الضغوط المتزايدة. ورغم الضربات التي تلقاها حزب الله، وآخرها اغتيال
إسرائيل لأمينه العام حسن نصر الله وكبار قياداته، لا يزال يتمتع بحاضنة شعبية واسعة داخل لبنان وخارجه، كما أظهرت جنازته التي جمعت مئات الآلاف في بيروت، من بينهم وفود من إيران والعراق وتونس واليمن.
في هذا المشهد المتوتر، يبدو أن الطرفين—دول الخليج وحزب الله—يسعيان إلى تحقيق توازن دقيق خلال الأشهر المقبلة، حسب المراقبين. فبينما تهدف دول الخليج إلى تعزيز الاستقرار اللبناني، يبقى التمويل الخليجي مرتبطًا إلى حد كبير بمسألة سلاح الحزب. وإذا استمر هذا الشرط فقد، تضعف المكانة السياسية للثنائي عون-نواف، مما يزيد من خطر عدم الاستقرار في لبنان، وهي نتيجة تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجنبها.
وربما يكون الحل الوسط في تقديم مساعدات مالية محدودة في مقابل تنفيذ إصلاحات اقتصادية دون المساس بسلاح حزب الله، مع ضمان وصول الأموال إلى جهات غير مرتبطة به، خاصة في المناطق المتضررة جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت وسهل البقاع. فرغم تراجع أهمية لبنان في الحسابات الخليجية مقارنة بالماضي، إلا أن التغيرات الأخيرة في الإقليم، خاصة منذ هجوم حماس على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الاول 2023، قد تمنح دول الخليج فرصة لتعزيز نفوذها في بيروت على حساب طهران، في محاولة لإعادة دمج لبنان في المحور العربي بعيدًا عن طوق إيران وحلفائها.